خمسة أعوام على استشهاد خالد الأسعد.. أيقونة للإنسانية وأمثولة في الدفاع عن الحضارة

دمشق-سانا

خمسة أعوام مرت على رحيل التدمري العاشق للآثار والتاريخ خالد الأسعد ولا يزال اسمه حياً في ضمائر الإنسانية حيث يتبارى الفنانون في رسم صورته وتعلن باسمه الجوائز العالمية وتزرع أشجار لتجدد ذكراه.

برحيل عاشق تدمر الذي أمضى أكثر من خمسين عاما من عمره في خدمة الآثار فقدت الساحة العلمية والثقافية علماً مضيئاً أنجز الكثير من الأبحاث والاكتشافات الأثرية على مستوى العالم.

الأسعد الحائز وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة ولد في مدينة تدمر عام 1934 وحصل في عام 1956 على إجازة بالتاريخ من جامعة دمشق وبعدها على دبلوم بالتربية ثم عين رئيسا لدائرة الحفريات في المديرية العامة للآثار والمتاحف منذ عام 1961 وبعدها شغل منصب مدير آثار ومتاحف تدمر وأمين متحفها منذ عام 1963 ولغاية عام 2003 حيث شارك بفعالية خلال تلك الحقبة بكل أعمال التنقيب والترميم في تدمر بمساعدة بعثات أثرية سورية وبولندية والمانية وفرنسية وأمريكية.

ولم يكن الأسعد مجرد عالم آثار بل كان باحثاً تاريخياً ومكتشفاً حقيقياً للعديد من المنحوتات والمدافن الأثرية المهمة ومنها منحوتة حسناء تدمر التي صنفت وفق المعايير الأثرية العالمية بأنها من أروع المنحوتات وأكثرها جمالاً على الإطلاق إضافة إلى ترجمته للنصوص والمخطوطات الآرامية التدمرية القديمة.

غير أن الإنجاز الأكبر للشهيد الأسعد والذي ابهر العالم بأسره ودفعه لزيارة تدمر ومشاهدة ما حققه هو المشروع الإنمائي التدمري خلال أعوام 1962-1966 حيث اكتشف القسم الأكبر من الشارع الطويل وساحة الصلبة “التترابيل” وقام باستخدام وسائل بدائية وحيوانات جر في رفع الأعمدة المتناثرة بين أركان مدينة تدمر الأثرية لتعود كما كانت منتصبة أيام زنوبيا.

وتعددت إسهامات الشهيد الأسعد البحثية والتي غدت مرجعاً وموئلاً لكل الباحثين والمهتمين بتاريخ تدمر والمنطقة من خلال إنجازه عشرات الأبحاث والدراسات نشرت بلغات حية بمشاركة بعض الباحثين في البعثات الأجنبية ومنها “مرحبا بكم في تدمر”.

ومن مكتشفات الأسعد المهمة 700 قطعة نقدية فضية وجدها في تدمر الأثرية تؤرخ بالقرن السابع الميلادي ليضاف إلى سجل إنجازاته الضخم ما جعله يستحق حقا تنافس البلدان في المنطقة والعالم على منحه الأوسمة التقديرية ومنها وسام برتبة فارس من فرنسا وبولندا ووسام الاستحقاق من تونس.

وتشكل مؤلفات الأسعد مصدراً مهماً وغنياً لمعرفة تاريخ تدمر ولغتها وحضارتها فكتاب “زنوبيا ملكة تدمر والشرق” يروي عبر أربعة عشر فصلاً بتفاصيل تشبع نهم القارئ قصة الملكة زنوبيا وزوجها وابنها وعلاقاتها الدولية السياسية والتجارية والعسكرية وأسلوب حكمها لتدمر ومراحل تأسيس دولة تدمر القوية وحروبها مع الرومان ونهاية حكمها وحياتها كما وضع كتاباً عن اللغات التي كانت سائدة في تدمر والمستخدمة في تدوين النصوص الدينية والاقتصادية والسياسية والتجارية والحربية والمعاهدات الدولية والنصوص العلمية والزراعية تحت عنوان “الكتابات التدمرية واليونانية واللاتينية في متحف تدمر” نشر باللغة الإنكليزية.

وعندما أعدم الشهيد الأسعد في الـ 18 من آب عام 2015 على يد تنظيم “داعش” الإرهابي بعد أن تحدى إجرامهم وتهديداتهم ومحاولاتهم المسعورة لترهيبه وترغيبه ليدلهم على مواقع كنوز تدمر الأثرية قدم للعالم أمثولة في الصمود والدفاع عن الحضارة.

فها هي إيطاليا التي تنكس سنوياً إعلامها بكل متاحفها في ذكرى استشهاده زرعت الشهر الماضي شجرة زيتون في الحديقة التذكارية بوادي المعابد في مدينة أغريجنتو بجزيرة صقلية وأمامها لوحة كتب عليها أن خالد الأسعد عالم الآثار العالمي الشهير يعلمنا بأن قيمة الإنسان المقدسة تتجلى بمقدار العمل من أجل خير البشرية أما منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونيسكو” فأطلقت منذ استشهاده مسابقة تحت اسم جائزة خالد الأسعد الدولية للمكتشفات الآثارية وما كل ذلك إلا صور عن امتنان البشرية لما قدمه هذا العالم والذي تحول بعد استشهاده إلى أيقونة عبر العصور.

شذى حمود