بعد أكثر من عام على تحريرها ومع تضاعف الجهود الحكومية.. الحياة تعود باطراد إلى مدينة تدمر

تدمر-سانا

بعد مرور أكثر من عام على تحرير الجيش العربي السوري مدينة تدمر وإعلانها خالية من إرهاب “داعش” بدأت عجلة الحياة تدور مجددا وبشكل متسارع في هذه المدينة الاستراتيجية بانتظار عودة آلاف الأهالي خلال الأيام القليلة المقبلة بعد انقضاء شهر رمضان المبارك ولا سيما أن آلافا من أهالي المدينة كانوا زاروها منذ أيام وتفقدوا منازلهم وممتلكاتهم وبدؤوا عمليات ترميمها تمهيدا لعودتهم في القريب العاجل.

عمليات الصيانة والإصلاح المتسارعة منذ عدة أشهر في مدينة تدمر ذات الثقل الاقتصادي والثقافي اصطدمت في بادئء الأمر بعوائق كثيرة كان أبرزها التخريب والتدمير الكبير في المرافق الخدمية من الصحة والتعليم والمواصلات والاتصالات والطاقة والعمران حيث تعرضت البنية الصحية من مستوصفات ومشاف حكومية وخاصة لتدمير ممنهج من إرهابيي “داعش” أدى الى اصابتها بالشلل وباتت عاجزة عن أداء مهامها بصورة شبه كاملة.

الأمر ذاته انطبق على التعليم حيث دمرت أغلب مدارس المدينة أو تحولت الى مقار لمتزعمي التنظيم الارهابي وعلى شبكات الطرق والمواصلات حيث تقطعت طرق المدينة أو باتت ممرات نحو الموت بفعل تفخيخها ووضعها في مرمى نيران مرتزقة التنظيم التكفيري الذين ابتكروا أبشع أنواع التخريب والتدمير لمعالم المدينة الأمر الذي يمكن مشاهدته في المدينة الأثرية الفريدة على مستوى العالم اذ نالها النصيب الأكبر من التدمير.

ما رصدته كاميرا سانا خلال جولتها في المدينة الأثرية من تدمير وتخريب غير مسبوقين لا يمكن وضعه الا في خانة التخريب الممنهج الذي وقع بفعل أوامر مدروسة من مشغلي الارهابيين الذين تقصدوا تدمير معالم المدينة وافقادها قيمتها كواحدة من أبرز المعالم الأثرية على الخريطة الثقافية العالمية ووفقا لتجارب مشابهة وقعت في أماكن متعددة من سورية والعراق بالدرجة الأولى لم يكن من الصعب الاحساس بأصابع صهيونية قد فعلت فعلتها في مدينة تدمر الأثرية فالتدمير ظهر بشكل جلي انه مدبر وممنهج هدف إلى إيقاع أكبر أثر ممكن في المدينة والمتحف بكل ما كان يختزنه من ثروة ثقافية للعالم بأسره.

كل ما سبق أخر عملية استعادة المدينة وتيرة الحياة الطبيعية ولا سيما فيما يتعلق بعودة الأهالي اليها ما استدعى مضاعفة الجهود الحكومية لتلافي مخلفات إرهاب “داعش” ونشطت ورشات الصيانة والترميم على مختلف الصعد فتم اصلاح الطرق داخل المدينة بالتوازي مع اصلاح الطرق الخارجة والداخلة إليها وأعيدت الحياة إلى الأفران ومحطات الوقود ومراكز توزيع الغاز والمستشفيات ورممت المدارس وشبكات الكهرباء والصرف الصحي وتدفقت المياه في كل ارجاء المدينة وفتحت الكثير من المحال التجارية أبوابها وبدأت أعداد العائدين الى بيوتهم في المدينة تتزايد باطراد وهو ما رصدته كاميرا سانا التي جالت في مدينة تدمر بعد مرور أكثر من عام على اعلانها خالية من الارهاب والتقت بعدد من أهلها العائدين الى منازلهم لاستعادة حياتهم الطبيعية بعد أشهر من التشرد والحرمان بفعل الإرهاب الداعشي.

يقول فايز مسعود الخمسيني وهو على باب منزله في أحد شوارع المدينة: إنه غادر مدينة تدمر منذ الساعات الأولى من انتشار إرهابيي داعش فيها بعدما واجه خطر الموت والتنكيل به وبأفراد عائلته وبعدما شاهد عددا من جيرانه يذبحون على قارعة الطريق بخناجر ارهابيي التنظيم التكفيري فجمع أفراد عائلته وغادر المدينة نحو البادية من دون وجهة محددة طالبا النجاة من القتل.

ويضيف مسعود: إنه أمضى أشهرا طويلة يعيش في خيمة في البادية مع أفراد عائلته عانوا خلالها “كل ما يخطر على البال” من معاناة الى أن وصلته أخبار تحرير المدينة من قبل الجيش العربي السوري وعودة مؤسسات الدولة اليها فقرر العودة ليجد منزله وقد طاله التخريب مع بقايا العفش ومع ذلك قرر البقاء ليستكمل تأهيل المنزل وفرشه بما يوفر معيشة كانت صعبة في البداية لكن مع عودة الخدمات إلى المدينة تحسنت الأمور واستعاد حياته الكريمة بمساعدة الجيش والورشات الحكومية التي أمنت له ولكل العائدين كل سبل العيش الكريم.

ويستذكر عمر الأحمد بعض المشاهد المرعبة من ممارسات إرهابيي داعش قبل مغادرته المدينة ويقول: إنه رأى بعضا من أهالي المدينة يذبحون لأتفه الأسباب وأحيانا من دون سبب إلا ليكونوا عبرة لمن تبقى من الأهالي في منازلهم ما دفعه في النهاية إلى اتخاذ قرار الرحيل فرارا وعلى غفلة من ارهابيي التنظيم الذين توعدوه أكثر من مرة بالقتل ما لم يحمل السلاح ويقاتل في صفوفهم.

امرأة أربعينية تجاوزت خلال حديثها لكاميرا سانا ما لاقته من ترهيب قبل مغادرتها المدينة مفضلة الحديث عن ارتياحها لدخول الجيش وتأمين المدينة وعودة كل سبل الحياة إليها من ماء وغاز ومياه وكهرباء وافتتاح المستوصفات ومستشفى المدينة والفرن مبدية رغبتها في اعادة أطفالها إلى مقاعد الدراسة مع اعادة تأهيل المدارس.

محمد خالد الذي يعمل سائقا لشاحنة نقل افتتح حديثه معنا بتوجيه الشكر للجيش العربي السوري الذي طرد إرهابيي “داعش” وحرر المدينة ليعود مع أفراد عائلته الى منزلهم ويعيش حياته بشكل طبيعي مع “بحبوحة” بسبب ازدياد الطلبيات على شاحنته مع تزايد عودة الأهالي الذين زال عنهم الخوف من همجية ارهابيي داعش الذين ابتكروا أساليب غير مسبوقة في التخريب والهدم وترهيب من بقي من الأهالي لدفعهم الى الانضواء تحت عباءته واعتناق أفكاره لتوسيع دائرة مرتزقته وسوقهم للقتال بسيفه في أماكن ومناطق أخرى.

عمر دعاس تحدث إلينا وهو في محله التجاري المليء بالمواد الاستهلاكية التي يحتاجها الزبائن من أهالي المدينة ومن العابرين كون مدينة تدمر تشكل نقطة وصل وعبور بين مناطق سورية مختلفة وقال: إنه يبقي محله مفتوحا إلى ساعات متأخرة من الليل لكثرة الطلب ولا سيما خلال شهر رمضان المبارك.

وفي المحصلة استراتيجيا ووفق معايير الحرب على الارهاب التي أعلنها الجيش العربي السوري بالتعاون مع القوات الحليفة والرديفة شكلت مدينة تدمر بيضة القبان في تقييم موازين القتال والانطلاق نحو حسم الحرب ولا سيما في الريف الشرقي لحمص ومنطقة البادية السورية التي كانت خزانا استراتيجيا لتنظيم داعش الإرهابي حيث كان تحريرها شروعا فعليا بإعلان النصر على هذا التنظيم التكفيري في مجاله “الحيوي” وخطوة حاسمة في فرض الهزيمة عليه على امتداد انتشاره في الجغرافيا السورية.