انتصار الجيش في سقبا يرسم حياة جديدة للأهالي ويطوي صفحة الإرهاب إلى غير رجعة

دمشق-سانا

يطل فتحي الفران ابن سقبا على مشهد ساحة المحطة وسط البلدة من عتبة أحد المحلات التجارية المغلقة مع طفلته يتأملان بنظرة اطمئنان جنودا يمضون على جنبات الساحة التي سيطر عليها هدوء الظهيرة لا صوت أزيز الرصاص أو صدى إطلاق القذائف وانفجارها فقد حطت المعارك أوزارها ورسم رجال الجيش العربي السوري رواية النصر واضعين النهاية للتنظيمات الإرهابية من “جبهة النصرة وفيلق الرحمن” في هذه البلدة التي كانت معقلا لهم في السنوات الماضية.

يقول الفران وهو يلف ذراعه حول كتف طفلته ماسة في ربيعها الثامن.. “غادرنا البلدة ليومين الى بلدة عين ترما المجاورة وعندما علمنا بدخول الجيش سقبا قررنا العودة لكن إرهابيي “جبهة النصرة” حاولوا منعنا واخافتنا بان الجيش سيقتلكم ويذبحكم واغلقوا الطريق واشترطوا لإفلاتنا أن نتخلى لهم عن كل ما لدينا”… ويتابع عندما وصلنا سقبا استقبلنا الجيش وقال “ادخلوا إلى بلدتكم.. عليكم الامان والحمدلله رجعنا ونحن بأمان وكما ترين نحن جالسون مع الجيش وابنتي سلمت على الجنود وقبلتهم”.

سقبا 6 كم جنوب شرق دمشق في القطاع الأوسط من الغوطة الشرقية تسبقها شهرتها بنجارة الموبيليا الخشبية وبرع أبناوءها بهذه المهنة فأصبحت مقصدا لأهالي دمشق وريفها لشراء ما يلزمهم من مفروشات وقطع الموبيليا وفي جولة في الشارع الرئيسي ما زالت تبرز أسماء لعديد من أصحاب المحلات والصالات وكانت تشهد سنويا قبل أن تسيطر عليها التنظيمات الإرهابية مهرجانا خاصا بالمفروشات.

وفتحي 40 عاما أب لأربعة أطفال بنتين وتوءم ذكور لهما من العمر 6 أشهر كان كمعظم أبناء بلدته يعمل بهذه الصناعة ويقول “كان لدي محل وأعمل
في بخ الموبيليا” يتابع بفخر وقد استعاد صوته قوته “سقبا مدينة اشتهرت بالمفروشات والموبيليا والجميع يشهد لها ويقصدها لشراء المفروشات وفيها عشرات الصالات الفخمة لكن عندما دخلها المسلحون تعطلت الحياة التجارية بالبلدة وخربوها وصرت بعدها عاملا بمزرعة عند أحد الأشخاص”.

على العتبة ذاتها جلس رفيق ريحاني من فلاحي أهالي سقبا اكتست ملامحه بمسحة حزن ويقول بصوت مبحوح متعب “خرب مسلحو جبهة النصرة بيوتنا وأخرجونا رغما عنا منها وسرقوها” ويضيف.. “كنا نزرع كل أنواع المحاصيل القمح والشعير ونعمل ونمارس حياتنا بشكل طبيعي”.

بقي ريحاني الستيني في منزله ولم يغادر سقبا بينما زوجته انتقلت في ظل الظروف الصعبة التي مرت على سقبا إلى السكن عند ابنتهما المتزوجة في دمشق… تلمع عينا الريحاني الغائرتان وهو يراقب عناصر من الجيش يمرون من أمامه مزهوين بما حققوه من انتصار ويأمل أن يرى ابنه الجندي.. فيقول “مرت ست سنوات على غيابه يقاتل مع رفاقه على جبهات درعا.. انتظر عودته قريبا .. الإرهابيون اندحروا من سقبا وأصبحت آمنة”.

مع مضي الوقت بدأ العديد من الأهالي يخرجون من منازلهم متوجهين إلى الساحة.. علي أحد القاطنين في سقبا لم يغادرها وبقي مع أسرته وأطفاله وهو واحد من العاملين بنجارة الموبيليا يقودنا حيث محله في شارع عبد الله ابن سلام الذي نجا إلى حد كبير من التخريب يفتح باب محله ويكشف عن أساس وأدوات العمل وكأن شيئا لم يتغير يقول سنعيد لهذه الصناعة عزها… فلا داعي للخوف بعد دخول الجيش إليها.

يأخذنا علي إلى منزله وبتردد تخرج زوجته وهي تضم رضيعها إلى صدرها من قبو البناء وتتفاجأ بوجودنا وكأنها لا تصدق أن سقبا باتت آمنة وتكتفي
بالقول الحمدلله بتنا بآمان وفي لحظات تتجمع حولها عدد من النسوة وسط ضحكات منخفضة وتعرف احداهن عن نفسها بأم محمد وتقول بصوت مرتفع
تعذبنا كثيرا ونريد النهاية.

تقول صبية بعيون ضاحكة فرحنا بقدومكم كثيرا تقاطعها سيدة رجعت الحيوية لنا ولأولادنا داعية كل من خرج من الغوطة الى العودة.. الغوطة حلوة.. ارجعوا فيما تقول سيدة أخرى نريد الأمان.. الأمان.. تعبنا… عمر في العاشرة من عمره يقاطع النسوة قائلا ولدنا في سقبا وسنبقى في الغوطة هو في الصف الرابع لكنه لم يذهب إالى المدرسة.. فتاة صغيرة تقف إلى جانبه اسمها نور الشام تتشجع على الكلام وتقول سقبا بلدنا ولن نخرج منها أبدا.

انس علام من سكان البناء وقف حاملا ابنه الرضيع يقول وهو ينظر إليه ابني عز الدين عمره 3 أشهر قضى منها شهرين في القبو بلا حليب وكان يعمل في التحف الشرقية والصدفيات فيقول بحسرة كان لدينا أحلى بيوت وأراض زراعية وممتلكات.. ابتلينا بالمسلحين ودمروا حياتنا.. وبفضل الجيش العربي السوري تخلصنا منهم.

ويصر أنس على أن رغبته كما جميع الأهالي في بلدات الغوطة مثل حمورية و سقبا وجسرين وكفر بطنا البقاء في منازلهم وتجديد الحياة فيها وطي صفحة الإرهاب إلى غير رجعة.

شهيدي عجيب