حركة التحرر العالمية فقدت برحيل كاسترو رمزا كبيرا وبطلا في أعين الشعوب التي تتطلع للاستقلال وتناهض الهيمنة

دمشق-سانا

برحيل المناضل الكبير قائد الثورة الكوبية فيديل كاسترو فقدت حركة التحرر في العالم رمزا كبيرا وقائدا كان ورفاقه مدرسة للمناضلين في أمريكا اللاتينية وجميع أنحاء العالم.

وبدأ كاسترو حياته النضالية عام 1953 بتشكيل قوة ثورية رفضا لسياسة فولهينيسو باتيستا القمعية لكن محاولته انتهت بإلقاء القبض عليه هو وآخرون وحكم عليهم بالسجن لمدة 15 عاما وبعد عامين تم الإفراج عنهم في أيار من عام 1955.

سافر فيديل كاسترو إلى المكسيك بعد إطلاق سراحه بهدف البعد عن عيون الاستخبارات الأمريكية المزروعة في مختلف أنحاء كوبا وهناك اجتمع كاسترو برفاقه الثوريين وعلى رأسهم أخوه راؤول للتخطيط لثورة مسلحة بهدف إنهاء الهيمنة الأميركية على كوبا وإسقاط نظام باتيستا الديكتاتوري كما قام بتأسيس حركة 26 يوليو الثورية التي كانت سببا في لقائه المناضل الأرجنتيني ارنيستو تشي غيفارا ونشأت بمرور الوقت بينهما علاقة صداقة قوية ساهمت في وضع خطة لتفجير الثورة في أمريكا اللاتينة.

وفور الانتهاء من تجهيز الخطة والتدريب الكافي أبحر كاسترو ورفاقه إلى كوبا لإشعال فتيل الثورة وبالفعل لاقت مبادئه الثورية تأييدا شعبيا هائلا كما انضم عدد كبير من أفراد القوات المسلحة الكوبية إلى جانبه الأمر الذي ساعده ورفاقه في إسقاط نظام باتيستا الحاكم المستبد الذي اختار الهرب بعد فشل محاولة بقائه في الحكم في كانون الثاني 1959.

بعد الإطاحة بنظام باتيستا تسلم فيديل كاسترو مقاليد الحكم في البلاد وتبنى الفكر الشيوعي وقام بتأميم الشركات وأهمها شركة “الفواكه المتحدة”.

وفي شباط عام 1960 اشترت كوبا النفط من الاتحاد السوفييتي السابق ورفضت الولايات المتحدة المالكة لمصافي تكرير النفط في كوبا التعامل مع النفط السوفييتي فقام فيديل كاسترو بتأميم المصافي الكوبية التي كانت تسيطر عليها الولايات المتحدة الأمريكية ما أثار غضب واشنطن وعملت بكل ما تستطيع لإفشال الثورة الكوبية وناصبتها العداء وحاصرتها.

صمد فيديل كاسترو خمسة وأربعين عاما أمام الولايات المتحدة شهد فيها رحيل وصعود نحو 10 رؤساء أميركيين حملوا العداء لكوبا ونجح في الحفاظ على الأعلام الحمراء ترفرف على أبواب عدوه الأكبر.

لم تنحصر محاولات الولايات المتحدة في التخلص منه بالاغتيال فقط فقد حاصرته اقتصاديا أيضا لتضييق الخناق على الشعب الكوبي أملاً أن يحتج وينادي بإسقاطه لكنها باءت بالفشل هي الأخرى وباتت الوسيلة الوحيدة للإطاحة بحكمه هي التدخل العسكري والصراع وجها لوجه وذلك في معركة خيرون “خليج الخنازير” عام 1961 التي شنتها الولايات المتحدة للاستيلاء على الجزيرة الكاريبية لكن القوات الكوبية سحقت في غضون ساعات القوات الأمريكية وأنزلت بها هزيمة نكراء.

وتعتبر الثورة الكوبية التي قادها فيديل كاسترو مثالا لجميع دول العالم الثالث لتحذو حذو كوبا في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية والعولمة ومن أجل الحصول على الاستقلال الكامل الذي استطاعت كوبا الحصول عليه بالاعتماد على الشعب الكوبي وحده الذي أمد هذه الثورة بجميع الإمكانيات المادية من أجل نيل الاستقلال.

وحققت الثورة الكوبية بقيادة كاسترو إنجازات مهمة عل الصعيد الاجتماعي فقد كافحت الأمية وقامت بإنشاء مدارس وجامعات وفرضت إلزامية التعليم وقدمت الخدمات الطبية ولم يعد هناك تمييز بين مختلف فئات الشعب وانتشرت حرية التعبير وممارسة الشعائر الدينية كذلك قامت ببناء المساكن الشعبية وكانت الدولة تقدم هذه الخدمات كلها دون مقابل.

وقامت الحكومة الكوبية بقيادة فيديل كاسترو بتقديم المساعدات لدول العالم الثالث فأرسلت لها البعثات الطبية إضافة إلى المنح الدراسية المجانية وقامت كوبا بنصرة الدول المظلومة والوقوف إلى جانبها ومساعدتها.

دافع كاسترو بكل قوة عن قضية العرب المركزية قضية فلسطين وكان مناهضا للعنصرية والصهيونية والإرهاب وكل أشكال الظلم والاستبداد.

وبدأت كوبا بمناصرة القضية الفلسطينية تدريجياً بعدما استلم كاسترو الحكم وتفردت من بين دول أميركا اللاتينية بشجب العدوان الإسرائيلي صبيحة الخامس من حزيران 1967 كما طالبت بانسحاب إسرائيل الشامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة والجولان السوري المحتل.

وفي عام 1972 صادرت الحكومة الكوبية المركز الثقافي لكيان الاحتلال الإسرائيلي في هافانا الذي كانت تبث منه الدعاية الصهيونية.

وظلت البعثة الإسرائيلية الدبلوماسية بعد ذلك التاريخ موكلة إلى دبلوماسية برتبة سكريتير أول إلى أن أعلن كاسترو بتاريخ 9 أيلول 1973 في مؤتمر القمة الرابع لدول عدم الانحياز المنعقد في الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل وبهذا كانت كوبا أول دولة في القارة الأميركية تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني.

وقد وقع كاسترو عام 2014 بياناً دولياً للدفاع عن فلسطين يطالب إسرائيل باحترام قرارات الأمم المتحدة والانسحاب من الضفة الغربية والقدس الشرقية كما أعرب مراراً عن دعمه لطلب فلسطين بأن تصبح عضواً في الأمم المتحدة.

وتعززت العلاقات السورية الكوبية بشكل كبير في عهد القائد المؤسس حافظ الاسد والراحل فيديل كاسترو اللذين جمعتهما علاقة سياسية وشخصية قوية قائمة على الاحترام المتبادل والنضال المشترك والقيم الثورية والنضالية الواحدة حيث جعلا العلاقات بين البلدين تقوم على أسس وركائز متينة وقواسم مشتركة في فهم العالم وصراعاته الانية والمستقبلية.‏

والتقى كاسترو الرئيس المؤسس حافظ الأسد في لقاءات عدة حيث كانت له زيارة إلى دمشق في أيلول عام 1973 كما زار دمشق عام 2001 والتقى الرئيس بشار الأسد في زيارة وصفت بالتاريخية لتتعمق العلاقات أكثر بين سورية وكوبا.

وجسدت العلاقة بين سورية وكوبا أبرز أشكال مناهضة التبعية والاستسلام وشهدت تناميا متزايدا لأنها تقوم على مبادئ راسخة أهمها الحفاظ على السيادة الوطنية وعدم السماح بالتدخل في الشؤون الداخلية لكلا البلدين ومناصرة القضايا العادلة للشعوب في وجه سياسات الهيمنة والتفرد بالقرار على الساحة الدولية.‏

ووقفت سورية دائما إلى جانب نضال الشعب الكوبي ضد سياسة الحصار الجائر التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية كما اعربت سورية عن فخرها بالانتصار الكبير الذي حققته كوبا بوضع حد لهذا الحصار الذي جاء ثمرة للإرادة الصلبة والتصميم الواعي والثقة الاكيدة بالنصر والقيادة التاريخية في البلدين.

وبقيت مواقف كوبا تجاه سورية التي رسمها فيديل كاسترو ثابتة حيث طالبت المندوبة الدائمة لكوبا في الأمم المتحدة انايانسي رودريغيز خلال الجلسة الثانية والثلاثين لمجلس حقوق الإنسان في حزيران الماضي بوضع حد للتدخل الخارجي في شؤون سورية الداخلية مجددة التأكيد على دعمها ايجاد حل سلمى للازمة فيها وقالت: “يجب العمل على تحقيق السلام ومواجهة هجمة التطرف والتدخل الأجنبي في سورية من أجل الحفاظ على ثقافتها وتاريخها الغنيين” معربة عن رفضها أي محاولة لتقويض استقلالها.

وكان فيديل كاسترو استقال في التاسع عشر من شباط 2008 من منصبي رئاسة الدولة والقيادة العامة للقوات المسلحة الكوبية وأعلن خطوته تلك في رسالة قال فيها “سوف أخون ضميري إن أنا قبلت تحمل مسؤولية تتطلب الحركة والتفرغ والتفاني بشكل كامل فأنا لست في حالة صحية تمكنني من بذل هذا العطاء.. إلى مواطني الأعزاء الذين شرفوني بانتخابي عضوا في البرلمان أكتب إليكم لأقول إنني لا أتطلع ولن أقبل وأكرر لا أتطلع ولن أقبل منصبي رئاسة مجلسي الدولة والوزراء ورئاسة أركان الجيش”.

انتهت رحلة فيديل كاسترو بعد ثبات نصف قرن بمواجهة أمريكا التي أنهكتها محاولات إزاحته عن الحكم سواء بالاغتيال أو بأشكال أخرى ويعتبر فيديل كاسترو بطلا وقائداً في أعين الشعب الكوبي وعدد كبير من الشعوب التي تتطلع للاستقلال ومناهضة الهيمنة.

ولد فيديل كاسترو في الثالث عشر من اب عام 1926 في بيران الواقعة جنوب شرق كوبا لعائلة ثرية اشتهرت بأعمال الزراعة وتجارة الأراضي والتحق بمدرسة داخلية في مدينة سانتياغو دي كوبا وانتقل في المرحلة الثانوية لمدرسة في مدينة هافانا ثم أكمل دراسته في جامعة هافانا حيث التحق بكلية الحقوق وتخرج فيها عام 1950 بحصوله على درجة الدكتوراه في القانون.

بعد التخرج بدأ فيديل كاسترو بممارسة المحاماة لمدة عامين كان حينها ينوي الترشح للانتخابات البرلمانية القادمة إلا أن الانتخابات ألغيت بعد قيام فولهينيسو باتيستا بانقلاب عسكري أطاح بنظام كارلوس ريو ساكاراس.